مركز الثقافة والمعارف القرآنية
395
علوم القرآن عند المفسرين
جبار الأرض والسماوات ، فتقوم له هذه العلامات مقام قول الرب سبحانه ، لو أسمعنا كلامه العزيز ، وقال : صدق ، أنا بعثته . ومثال هذه المسألة - وللّه ولرسوله المثل الأعلى - ما لو كانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض ، وقال أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه : الملك يأمركم أيها الجماعة بكذا وكذا ، ودليل ذلك أن الملك يصدّقنى بفعل من أفعاله ، وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصدا بذلك تصديقي ، فإذا سمع الملك كلامه لهم ودعواه فيهم ، ثم عمل ما استشهد به على صدقه ، قام ذلك مقام قوله لو قال : صدق فيما ادعاه علىّ . فكذلك إذا عمل اللّه عملا لا يقدر عليه إلا هو ، وخرق به العادة على يد الرسول ، قام ذلك الفعل مقام كلامه تعالى لو أسمعناه وقال : صدق عبدي في دعوى الرسالة ، وأنا أرسلته إليكم فاسمعوا له وأطيعوا . والشرط الثالث : هو أن يستشهد بها مدعى الرسالة على اللّه عز وجل ، فيقول : آيتي أن يقلب اللّه سبحانه هذا الماء زيتا أو يحرك الأرض عند قولي لها ، تزلزلى ، فإذا فعل اللّه سبحانه ذلك حصل المتحدى به . الشرط الرابع : هو أن تقع على وفق دعوى المتحدى بها المستشهد بكونها معجزة له وإنما وجب اشتراط هذا الشرط ، لأنه لو قال المدعى للرسالة : آية نبوتي ودليل حجتي أن تنطق يدي أو هذه الدابة فنطقت يده أو الدابة بأن قالت : كذب وليس هو نبي ، فإن هذا الكلام الذي خلقه اللّه تعالى دال على كذب ذلك المدعي للرسالة ، لأن ما فعله اللّه لم يقع على وفق دعواه . وكذلك ما يروى : أن مسيلمة الكذاب لعنه اللّه تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت البئر وذهب ما كان فيها من الماء ، فما فعل اللّه سبحانه من هذا ، كان من الآيات المكذبة لمن ظهرت على يديه ، لأنها وقعت على خلاف ما أراده المتنبئ الكذاب . والشرط الخامس : من شروط المعجزة ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة ، فإن تم الأمر المتحدى به المستشهد به على النبوة على هذا الشرط مع الشروط المتقدمة ، فهي معجزة دالة على نبوة من ظهرت على يده ، فإن أقام اللّه تعالى من يعارضه حتى يأتي بمثل ما أتى به ويعمل مثل ما عمل بطل كونه نبيا ، وخرج عن كونه معجزا ولم